ابن أبي الحديد
173
شرح نهج البلاغة
الخندق ، فأخذ بيده رجل من الأزد ، فاستنقذه ، فوهب له فيروز عشرة آلاف ، وأصبح عسكر خالد كأنه حرة سوداء ( 1 ) ، فجعل لا يرى إلا قتيلا أو جريحا ، فقال للمهلب : يا أبا سعيد ، كدنا نفتضح ! فقال : خندق على نفسك ، فإن لم تفعل عادوا إليك ، فقال : اكفني أمر الخندق ، فجمع له الأحماس ( 2 ) فلم يبق شريف إلا عمل فيه ، فصاح بهم الخوارج : والله لولا هذا الساحر المزوني ، لكان الله قد دمر عليكم - وكانت الخوارج تسمى المهلب الساحر - ، لأنهم كانوا يدبرون الامر فيجدون المهلب قد سبق إلى نقض تدبيرهم . وقال أعشى همدان لابن الأشعث ، يذكره بلاء القحطانية عنده ، في كلمة طويلة ( 3 ) : ويوم أهوازك لا تنسه * ليس الثنا والذكر بالبائد ثم مضى قطري إلى كرمان ، وانصرف خالد إلى البصرة ، وأقام قطري بكرمان شهرا ، ثم عمد لفارس ، فخرج خالد إلى الأهواز وندب الناس للرحيل ، فجعلوا يطلبون المهلب ، فقال خالد : ذهب المهلب بحظ هذا المصر ، إني قد وليت أخي قتال الأزارقة . فولى أخاه عبد العزيز ، واستخلف المهلب على الأهواز في ثلاثمائة ، ومضى عبد العزيز والخوارج بدرا بجرد وهو في ثلاثين ألفا ، فجعل عبد العزيز يقول في طريقه : يزعم أهل البصرة أن هذا الامر لا يتم إلا بالمهلب ، سيعلمون ! قال صقعب ( 4 ) بن يزيد : فلما خرج عبد العزيز عن الأهواز ، جاءني كردوس ،
--> ( 1 ) الحرة : أرض ذات حجارة سوداء نخرة ، كأنما أحرقت بالنار . ( 2 ) الأحماس : هم جند البصرة . ( 3 ) ديوان الأعشين 34 ، ومطلعها : هل تعرف الدار عفار سمها * بالحضر فالروضة من آمد دار لخود طفلة رودة * بانت فأمسى حبها عامدي ( 4 ) الكامل : ( صعب بن زيد ) .